Mohaki
العودة إلى المدونة
المقاربة بالكفايات: المفهوم، الخصائص، والانتقال من بيداغوجيا الأهداف
#المقاربة بالكفايات#بيداغوجيا الأهداف#الوضعيات المشكلة#علوم التربية#مباراة التعليم

المقاربة بالكفايات: المفهوم، الخصائص، والانتقال من بيداغوجيا الأهداف

أمين ديوان 2024-06-25T00:00:00.000Z 6 دقائق

المقاربة بالكفايات: ثورة البيداغوجيا في المدرسة المغربية

منذ بداية الألفية الثالثة، وتحديدا مع صدور "الميثاق الوطني للتربية والتكوين"، تخلى المغرب رسمياً عن بيداغوجيا الأهداف ليتبنى نموذجاً جديداً هو المقاربة بالكفايات (L'approche par compétences). يعتبر هذا التحول ثورة حقيقية في طرق التدريس والتقويم. في هذا المقال الحصري، سنشرح هذا المفهوم المعقد بطريقة مبسطة، واضحة، وعملية جداً لتستعد بشكل مثالي لمباراة التعليم.


1. لماذا تم التخلي عن بيداغوجيا الأهداف؟

قبل فهم الكفايات، يجب أن نفهم المشكل الذي كانت تعاني منه المدرسة في ظل "بيداغوجيا الأهداف". في السابق، كان يتم تجزيء الدرس إلى أهداف إجرائية صغيرة جداً (مثلاً: أن يتعرف التلميذ على الفعل، أن يسطر تحت الفاعل...). التلميذ كان قادراً على تحقيق هذه الأهداف المنفصلة داخل القسم وفي الفروض المحروسة. لكن الكارثة كانت تظهر عندما يواجه التلميذ مشكلة حقيقية في حياته اليومية! لقد كان عقله مليئاً بالمعارف المجزأة التي لا يعرف كيف يربط بينها لحل مشكل مركب. أصبحت المدرسة تُخرّج آلات حفظ بدل مفكرين مبدعين.

هنا ظهرت الحاجة لـ "المقاربة بالكفايات"، لكي نعلم التلميذ كيف يوظف ما تعلمه في حل المشكلات، وليس فقط استرجاع المعارف على الورق.


2. ما هي الكفاية؟ (التعريف الذهبي)

تتعدد التعريفات، ولكن أصح وأشمل تعريف (وهو المعتمد في الأدبيات الرسمية المغربية كزافييه روجرس Xavier Roegiers) هو:

"الكفاية هي القدرة على تعبئة مجموعة من الموارد (معارف، مهارات، مواقف) بشكل مدمج، لحل وضعية-مشكلة تنتمي إلى فئة من الوضعيات".

لنفكك هذا التعريف لكي يسهل استيعابه:

  • تعبئة (Mobilisation): استحضار واستدعاء المعلومات من الذاكرة بسرعة.
  • الموارد (Ressources): هي "الأسلحة" التي يمتلكها التلميذ، وتنقسم إلى:
    • معارف (Savoirs): القواعد والقوانين (قاعدة الجمع، القاعدة النحوية).
    • مهارات (Savoir-faire): القدرة على التطبيق (القدرة على إنجاز عملية الجمع، القدرة على الإعراب).
    • مواقف (Savoir-être): الجانب الوجداني والأخلاقي (احترام الآخر، روح المبادرة).
  • الإدماج (Intégration): هو الربط بين هذه الموارد وتوليفها، وعدم استخدامها بشكل منعزل.
  • الوضعية المشكلة (Situation-problème): هي العائق أو التحدي الذي يجب على التلميذ تجاوزه باستخدام موارده.

3. الفرق بين القدرة والكفاية والمهارة

كثيراً ما يتم الخلط بين هذه المفاهيم في الامتحانات المهنية، إليك الفروق الدقيقة:

  • المهارة: أداء نشاط بدقة وسرعة (مثال: سرعة الكتابة على الحاسوب).
  • القدرة: استعداد داخلي عقلي، تكون عامة وغير مرتبطة بمادة معينة (مثال: القدرة على الملاحظة، القدرة على التحليل). القدرة تتطور ولا تكتمل أبداً.
  • الكفاية: هي تجسيد وتطبيق للقدرات في سياق محدد ولمعالجة وضعية معينة. (الكفاية = قدرة + محتوى دراسي + وضعية).

4. أنواع الكفايات في المنهاج المغربي

ينص المنهاج الدراسي المغربي (الوثيقة الإطار) على تقسيم الكفايات المستهدفة إلى خمسة أنواع رئيسية، وهي كفايات ممتدة (مستعرضة) تتقاطع فيها جميع المواد:

  1. الكفايات الاستراتيجية: معرفة الذات، التموقع في الزمان والمكان، وتعديل المنتظرات في ضوء المتغيرات.
  2. الكفايات التواصلية: إتقان اللغات (العربية، الأمازيغية، واللغات الأجنبية) للتواصل بمختلف أنواعه.
  3. الكفايات المنهجية: منهجية التفكير، منهجية العمل وتنظيم الوقت، ومنهجية حل المشكلات.
  4. الكفايات الثقافية: تنمية الرصيد الثقافي، الانفتاح على الثقافات الأخرى، وترسيخ الهوية المغربية.
  5. الكفايات التكنولوجية: القدرة على الإبداع التكنولوجي، واستعمال تقنيات الإعلام والاتصال (TIC) في التعلم.

5. كيف نُدرّس وفق المقاربة بالكفايات؟

في المقاربة بالكفايات، يتغير دور المدرس جذرياً. لم يعد هو "المالك الوحيد للمعرفة" الذي يملي الدروس، بل أصبح "موجهاً ومنشطاً".

  • بناء التعلمات عبر وضعيات-مشكلة: يبدأ الدرس بوضع التلميذ أمام لغز أو تحدٍّ (وضعية ديدكتيكية) يستفز مكتسباته السابقة ويشعره بالحاجة إلى بناء معرفة جديدة لحل المشكل.
  • فترات الإدماج: تُخصص أسابيع محددة في السنة الدراسية (أسابيع الإدماج) لا تقدم فيها دروس جديدة، بل يُطلب من المتعلمين حل وضعيات مركبة تتطلب دمج كل ما تعلموه في الأسابيع الماضية.
  • التقويم: تقويم الكفايات لا يتم بأسئلة مباشرة (ما هي عاصمة المغرب؟)، بل من خلال وضعيات مركبة تختبر قدرة التلميذ على استثمار موارده في سياق جديد.

خلاصة

إن الانتقال إلى المقاربة بالكفايات هو انتقال من مدرسة "الشحن والاستظهار" إلى مدرسة "الحياة والتشغيل". إذا استوعبت أن الكفاية هي ببساطة "التصرف بنجاح في موقف معقد"، فقد فهمت جوهر علوم التربية الحديثة، وستكون قادراً على الإجابة على أعقد الوضعيات الاختبارية في مباراة التعليم.